كيف تركز في عالم مليء بالمشتتات؟

27 أغسطس 2025 - 1:58 ص

هل سبق لك أن جلست على مكتبك عازماً على إنجاز مهمة كبيرة، وبعد ثلاث ساعات تجد نفسك لم تنجز شيئًا يُذكر؟ ربما قضيت الوقت تتنقل بين تبويبات المتصفح، وترد على رسائل البريد الإلكتروني العاجلة (التي لم تكن عاجلة حقًا)، وتتصفح آخر الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي.

إذا كانت هذه الصورة مألوفة، فأنت لست وحدك. نعيش اليوم في عالم مصمم خصيصًا ليسرق أعز ما نملك: انتباهنا. الإشعارات لا تتوقف، والمقاطعات أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء.

ولكن، ماذا لو أخبرتك أن هناك طريقة لاستعادة هذا التركيز المفقود وتحقيق إنتاجية وإبداع لم تكن تحلم بهما؟ هذا هو بالضبط ما يدور حوله مفهوم “العمل العميق”.

ما هو “العمل العميق” بالضبط؟ ولماذا هو عملة نادرة اليوم؟

صاغ المؤلف “كال نيوبورت” مصطلح “العمل العميق” (Deep Work) لوصف حالة من التركيز الخالي تمامًا من المشتتات، والتي تدفع قدراتك المعرفية إلى أقصى حدودها. عندما تكون في هذه الحالة، يمكنك تعلم أشياء صعبة بسرعة وإنتاج عمل عالي الجودة في وقت قياسي.

فكر في الأمر كأنه الفرق بين حرفي ماهر يقضي ساعات في ورشته لصناعة تحفة فنية، وبين عامل في خط تجميع يؤدي مهامًا بسيطة ومتكررة. الأول ينتج قيمة فريدة، والثاني يؤدي مهمة يمكن استبدالها بسهولة.

في المقابل، لدينا “العمل السطحي” (Shallow Work)، وهو كل تلك المهام اللوجستية التي لا تتطلب تركيزًا كبيرًا، والتي نقوم بها غالبًا أثناء تشتت انتباهنا. الرد الفوري على كل بريد إلكتروني، وحضور اجتماعات لا هدف واضح لها، والتمرير اللامتناهي على هاتفك… كل هذا عمل سطحي.

المشكلة؟ أن عالم العمل الحديث يدفعنا باستمرار نحو العمل السطحي، لأنه يعطي إحساسًا زائفًا بالانشغال والإنتاجية. لكن في اقتصاد المعرفة اليوم، القيمة الحقيقية لا تأتي من مجرد كونك مشغولاً، بل من قدرتك على إنتاج عمل عميق لا يمكن للآخرين تقليده بسهولة. لهذا السبب، أصبح العمل العميق عملة نادرة وثمينة.

استراتيجيات عملية لتبني “العمل العميق” في حياتك

الخبر السار هو أن العمل العميق ليس موهبة فطرية، بل مهارة يمكن لأي شخص تعلمها وتطويرها. الأمر يتطلب فقط بعض النية والتصميم. إليك بعض الاستراتيجيات العملية لتبدأ رحلتك:

1. اختر فلسفتك في العمل العميق

لا يوجد مقاس واحد يناسب الجميع عندما يتعلق الأمر بالتركيز. يقترح كال نيوبورت أربع فلسفات مختلفة، ويمكنك اختيار ما يناسب طبيعة عملك وحياتك:

  • الرهبانية: تعزل نفسك تمامًا عن المشتتات لفترات طويلة جدًا. هذه الفلسفة تناسب الأكاديميين أو الروائيين، ولكنها صعبة التطبيق لمعظمنا.
  • ثنائية الوضع: تقسم وقتك بوضوح بين فترات طويلة من العمل العميق (أيام أو أسابيع) وفترات أخرى متاحة للعمل السطحي.
  • الإيقاعية: هذه هي الأسهل للبدء. الفكرة هي أن تجعل العمل العميق عادة يومية، مثل تخصيص 90 دقيقة كل صباح للتركيز الكامل قبل فتح بريدك الإلكتروني.
  • الصحفية: تناسب المحترفين الذين تدربوا على الدخول في حالة التركيز بسرعة. يمكنك تخصيص أي فترة زمنية غير متوقعة (مثل 20 دقيقة بين اجتماعين) للعمل العميق.

للبداية، جرب الفلسفة الإيقاعية. ابدأ بتخصيص ساعة واحدة فقط كل يوم، والتزم بها.

2. ابنِ طقوسك الخاصة بالتركيز

عقلك يحب العادات والروتين. عندما تخلق “طقوسًا” محددة قبل بدء جلسة العمل العميق، فإنك ترسل إشارة واضحة لعقلك بأن الوقت قد حان للتركيز. قد تكون طقوسك بسيطة جدًا:

  • الذهاب إلى مكان معين في المنزل أو المكتب لا تستخدمه إلا للعمل العميق.
  • إعداد كوب من القهوة أو الشاي.
  • إغلاق جميع التبويبات غير الضرورية على حاسوبك.
  • وضع هاتفك في وضع الطيران ووضعه في غرفة أخرى.

هذه الإجراءات الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا، فهي تقلل من الاعتماد على قوة الإرادة وتجعل الانتقال إلى حالة التركيز أكثر سلاسة.

3. احتضن الملل!

قد تبدو هذه النصيحة غريبة، لكنها في صميم الموضوع. لقد أصبحنا مدمنين على التحفيز اللحظي. في كل لحظة فراغ—في المصعد، في طابور الانتظار، أو حتى في إشارة المرور—نسحب هواتفنا فورًا. هذا السلوك يدرب عقولنا على عدم تحمل غياب التحفيز، مما يجعل من الصعب جدًا الحفاظ على التركيز لفترات طويلة.

الحل؟ احتضن الملل. عندما تجد نفسك في لحظة فراغ، قاوم الرغبة في تفقد هاتفك. دع عقلك يشعر بالملل قليلًا. هذا التمرين يشبه تدريب “عضلة التركيز”؛ كلما مارسته، أصبحت أقوى وأكثر قدرة على مقاومة المشتتات عندما تكون في أمس الحاجة لذلك.

4. تعامل بذكاء مع أعداء التركيز

أكبر عدوين للعمل العميق هما وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني. لا تحتاج بالضرورة إلى التخلي عنهما تمامًا، بل إلى إعادة تعريف علاقتك بهما.

  • وسائل التواصل الاجتماعي: اسأل نفسك بصدق: “هل القيمة التي أحصل عليها من هذه المنصة تفوق الضرر الذي تلحقه بتركيزي؟”. كن متعمدًا في استخدامك. حدد وقتًا معينًا في اليوم لتصفحها بدلاً من تركها تقاطعك باستمرار.
  • البريد الإلكتروني: لا تعامل بريدك الوارد كقائمة مهام فرضها عليك الآخرون. حدد أوقاتًا محددة خلال اليوم (مثلاً الساعة 11 صباحًا و 4 مساءً) للتحقق من البريد والرد عليه. خارج هذه الأوقات، أغلق التطبيق تمامًا.

كيف تقيس نجاحك وتجعل العمل العميق عادة؟

ما لا يمكن قياسه، لا يمكن تحسينه. لجعل العمل العميق جزءًا لا يتجزأ من روتينك، ابدأ بتتبع الوقت الذي تقضيه فيه. أحضر دفتر ملاحظات أو استخدم تطبيقًا بسيطًا، وفي نهاية كل يوم، سجل عدد الساعات التي قضيتها في حالة تركيز كامل.

الهدف ليس الوصول إلى 8 ساعات من اليوم الأول، بل رؤية هذا الرقم ينمو ببطء وثبات. احتفل بالانتصارات الصغيرة، فهذا سيحفزك على الاستمرار.

خاتمة: استعد قوتك الخارقة في عالم مشتت

في عالم يزداد صخبًا وتشتيتًا يومًا بعد يوم، لم تعد القدرة على التركيز مجرد ميزة، بل أصبحت قوة خارقة. العمل العميق ليس مجرد تقنية لزيادة الإنتاجية، بل هو فلسفة لاستعادة السيطرة على وقتك وانتباهك، ولإنتاج عمل يترك أثرًا حقيقيًا.

لا تحتاج إلى تغيير حياتك بالكامل غدًا. ابدأ بخطوة واحدة صغيرة. اختر ساعة واحدة فقط، ابنِ طقسك، وأغلق الباب على العالم الخارجي. قد تفاجئك جودة وعمق العمل الذي يمكنك إنجازه. فهل أنت مستعد لاستعادة قوتك الخارقة؟


عدد المشاهدات: 4